الجزء الأول من مقال تحليلي نقدي حول التروتسكية وجوهر انحرافها عن الماركسية اللينينية.
الجزء الأول من مقال تحليلي نقدي حول التروتسكية وجوهر انحرافها عن الماركسية اللينينية. الجزء الأول: تروتسكي والانفصال عن المادية التاريخية: الجذر النظري للانحراف. تروتسكي ضد ماركس: أصل الانحراف بين الثورة الدائمة والمادية التاريخية...ليس خلافا مع ستالين، بل قطيعة مع الماركسية كما صاغها ماركس وإنجلز وطورها لينين. حين نناقش العلاقة بين الماركسيةاللينينية من جهة والتروتسكية من جهة أخرى لا يصح اختزال الخلاف بين الطرفين في مجرد تباينات في الأسلوب أو في الوسائل النضالية أو حتى في المواقف السياسية الظرفية. ما نواجهه في الحقيقة هو خلاف ذو طابع أيديولوجي عميق يمس جوهر الفهم المادي للتاريخ ومنهج التحليل الطبقي ودور البروليتاريا، ووظيفة الحزب، ومفهوم الدولة، وحدود الثورة. وقد يكون من المفيد التنبيه منذ البداية أن هذا المقال لا يتطرق إلى ستالين أو ماوتسي تونغ لا دفاعا ولا إدانة لهما، ليس تهربا من هذه النقاشات بل لأن جوهر الإشكال التروتسكي لا يبدأ مع ستالين كما يروج أتباع تروتسكي اليوم بل مع ماركس وإنجلز ولينين أنفسهم، لقد شكل هؤلاء الثلاثة وحدة نظرية وتنظيمية متماسكة لا يمكن فهم التروتسكية إلا باعتبارها انزياحا عنها؛ أما الحديث عن ستالين كتجسيد للانحراف فهو مجرد تشتيت للانتباه عن الطابع الجوهري للخلاف الذي يبدأ حين تحل الإرادة الذاتية محل قوانين الحركة التاريخية وحين يفصل التحليل الطبقي عن شروطه المادية،كذلك لم أتطرق إلى ماو تسي تونغ في هذا السياق لأن تقييم الماوية إن كانت استمرارية وتطوير للماركسية اللينينية أم انحرافا عنها يحتاج إلى نقاش مستقل يتجاوز موضوع هذا المقال. لينين، على خلاف تروتسكي، لم يدع أنه جاء بنظرية جديدة بل أكد أنه ماركسي مخلص وأن كل إضافاته الفكرية والتنظيمية إنما تأتي في سياق تطوير النظرية بما يتلاءم مع ظروف عصره، لقد رأى في ماركس وإنجلز الأساس الفكري غير القابل للتجاوز وأكد مرارا على ضرورة التسلح بالمادية الجدلية والمادية التاريخية كأساس حيث يخلص في الكثير من إنتاجاته إلى أننا لا نحتاج إلى ماركسية معدلة، بل إلى ماركسية خالصة تطبق على ظروفنا بوعي علمي وهذا ما يعكس جوهر ما قام به لينين: تطوير أدوات التحليل والتنظيم في ظل مرحلة الإمبريالية لا الخروج عن المبادئ التي أرساها ماركس وإنجلس، وفي هذا الصدد يقول "حيال هذا الوضع، حيال انتشار تشويه الماركسية انتشارا منقطع النظير، يتلخص واجبنا قبل كل شيء في بعث تعاليم ماركس الحقيقية بشأن الدولة" (كتاب الدولة والثورة الفصل الاول الصفحة 4)؛ هذه العبارة تشير بوضوح إلى أن لينين لم يكن يسعى لتعديل الماركسية أو اختراع نظرية جديدة بل لتخليصها من التشويهات والانحرافات، والعودة إلى جوهرها الثوري مع تطبيقها بوعي علمي على الواقع الجديد (ظروف الإمبريالية والثورة في روسيا). أما تروتسكي، فبرر تنظيره بظروف استثنائية لكنه تجاوز الأسس فقد انطلق من نظرية "الثورة الدائمة" والتي تختزل في نفي قانون التطور غير المتكافئ والمرحلي للمجتمعات، هذه النظرية هي إنتاج لتروتسكي تقوم على قفزات إرادوية من مجتمع ما قبل رأسمالي إلى ديكتاتورية البروليتاريا مع تجاهل البنية الاقتصادية والاجتماعية القائمة، هذا انحراف واضح عن المادية التاريخية لصالح رؤية مثالية طوباوية تغفل التناقضات الداخلية وتحولات البنية التحتية. كارل ماركس في دراسته للمادية التاريخية خاصة في نقده للاقتصاد السياسي، يخلص إلى خلاصة مهمة في هذا السياق، إذ لا يمكن تجاوز مرحلة التطور الاقتصادي إلا حين تنضج شروطها الموضوعية، حيث يقول في مقدمة ( مساهمة في نقد الإقتصاد الساسي صفحة 9) "لا تختفي أي تشكيلات اجتماعية قبل أن تنمو كل القوى المنتجة التي تسعاها، ولا تظهر علاقات إنتاج جديدة أبدا قبل أن توجد الشروط المادية لوجودها داخل المجتمع القديم." ماركس هنا يؤكد على أن كل طور من أطوار المجتمع (العبودية، الإقطاع، الرأسمالية...) لا يزول إلا بعد أن يبلغ حدوده القصوى من التطور الاقتصادي (قوى الإنتاج)، ولا تظهر علاقات إنتاج جديدة (مثل الاشتراكية) إلا عندما توجد الشروط المادية والموضوعية داخل النظام القائم. هذا المبدأ لا يتيح أي مجال للتصورات القافزة فوق الواقع، وهذا هو الجوهر الذي غفله وتجاوزه تروتسكي في نظريته حول الثورة الدائمة التي تتجاهل هذه القواعد الموضوعية التي رسمها ماركس، حيث يفترض إمكانية الانتقال الفوري من المهام الديمقراطية إلى الاشتراكية بغض النظر عن نضج البنية الاقتصادية والاجتماعية للبلد هذا الطرح يغفل واقع الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تفرض تدرجا تاريخيا في مراحل الثورة ويقلل من أهمية بناء الأسس الديمقراطية والمؤسسات الضرورية التي تهيئ المجتمع للانتقال إلى الاشتراكية، وهذا ما يعبر عنه تروتسكي بقوله " إن الثورة البرجوازية الوطنية مستحيلة في روسيا لأن هذا البلد يفتقر إلى ديمقراطية برجوازية ثورية أصيلة. لقد انقضى زمن الثورات الوطنية.." ( كتاب نتائج وتوقعات " قسم النضال من أجل استلام الحكم" صفحة51 من نسخة إليكترونية). يستطرد قائلا في نفس (المرجع والفصل صفحة 52 ) "إن الثورة هي قضية حكم أولا وآخرا، ولا يهمها شكل الدولة [جمعية تأسيسية، جمهورية، ولايات متحدة] بقدر ما يهمها مضمون الحكم الاجتماعي. .. إذا لم تكن البروليتاريا مستعدة للاستيلاء على الحكم، وإذا لم تنتزع البروليتاريا السلطة من بين أيدي الحكم الملكي فما من فئة أخرى ستقوم بهذا العمل." و الحقيقة أن من إطلع على كتابي تروتسكي المعنونين " نتائج وتوقعات" و "الثورة الدائمة" في كل فصولهما سيتضح له من مجمل ما كتبه تروتسكي فيهما أنه يتجاوز جوهر المادية التاريخية كما صاغها ماركس ففي سعيه لطرح نظرية "الثورة الدائمة" يقفز تروتسكي على شرط نضج القوى المنتِجة كقاعدة ضرورية للانتقال إلى الاشتراكية، ويعلي من شأن السلطة السياسية على حساب البنية الاقتصادية والاجتماعية كما يهمل التدرج التاريخي للمراحل الثورية ويقلل من أهمية المرحلة الديمقراطية البرجوازية ويعتبر أن استلام البروليتاريا للحكم ممكن دون توفر الشروط الموضوعية؛ لذلك هذا التصور يفرغ المادية التاريخية من مضمونها الجدلي ويحول الثورة إلى مشروع إرادوي لا يرتكز على تحليل واقعي لتطور المجتمع... يتبع...